وهبة الزحيلي
126
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وقد أخبر اللّه عن تحريفهم وتأويلاتهم في مواضع كثيرة منها : وَيَقُولُونَ : سَمِعْنا وَعَصَيْنا ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ، وَراعِنا ، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [ النساء 4 / 46 ] . ومن المعروف تاريخيا وباعتراف اليهود والنصارى أنفسهم : أن التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام وكتبها وأمر بحفظها وكانت نسخة واحدة ، قد فقدت باتفاق المؤرخين من اليهود والنصارى عند سبي البابليين لهم وإغارتهم عليهم ، ولم يكن عندهم غيرها ، ولم يحفظوها ، بسبب إحراق البابليين هيكلهم وتخريب عاصمتهم وسبي أحيائهم . أما الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى التي فيها أخبار عن موته وحياته ، وأنه لم يقم بعده أحد مثله ، فإنها كتبت بعده بزمن طويل ، وبعد بضعة قرون ، كتبها عزرا الكاهن بما بقي عند شيوخهم الذين بقوا بعد الأسر والقتل ، وبعد أن أذن لبني إسرائيل بالعودة إلى بلادهم . وكذلك الإنجيل كتب باعتراف النصارى بعد عيسى بحوالي قرن فأكثر . وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي وتركوا العمل به ، رغبة عنه ، ونسوا عهد اللّه الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم قال ابن عباس : نسوا الكتاب أي طائفة من أصل الكتاب ، وتركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال الحسن البصري : تركوا عرا دينهم ووظائف اللّه تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها ، وقال غيره : تركوا العمل ، فصاروا إلى حال رديئة ، فلا قلوب سليمة ، ولا فطر مستقيمة ، ولا أعمال قويمة . وهذا كله لتظل معجزة القرآن الدالة على صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم باقية دائمة ، فقد أخبر عن ذلك بعد عدة قرون من موت موسى عليه السلام . وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ يعني مكرهم وغدرهم وخيانتهم لك